محمد بن زكريا الرازي
26
كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس
جميع الناس " كأنما جاء له من العلوم الأوائل اليقينية عند جميع الناس لا من الأشياء العسرة الشاقة الاستنباط التي قد اختلف فيها الفلاسفة ، فما أدرى كيف استجاز لنفسه الإقدام على هذا وهو يعلم أن أناسا ( كثيرين ) يخالفونه في ذلك . ولست أشك أنه كان يعلم مخالفة أرسطوطاليس أيضا له . . . " « 1 » . ويخلص الرازي - في نقده لتفسير ظاهرة الإبصار عند جالينوس - إلى القول بأن " الأولى إذن والأقنع في هذا الأمر ما ذكرنا لا ما ذكر ، فما حصّل جالينوس بهذه المقدمات التي رام بها إثبات رأيه في المبصر ، وهل هي إلا من المقدمات الخطئة التي نهانا عن أخذها والركون إليها في الأمور الحقيقية ، وما ربح - أيضا - من المقدمات التي رام بها الشنعة على من خالف رأيه في المبصر إلا مخالفة الحس . وما عسى أن يمكن أن يتوهم في هذا الموضع على هذا الرجل الفاضل إلّا طمس الهوى عين العقل الذي أسأل الله واهب العقل أن يكفينا ويحرسنا منه . وقد أفردت للنظر في هذا الرأي مقالة ضخمة وبيّنت أن الإبصار يكون بتشبح الأشباح في البصر ، ونقضت ما قاله في هذا الرأي في كتاب " البرهان " وفي سائر كتبه نقضا شافيا . . . وأقول : إنه قد ناقض رأيه هذا في الإبصار في كتاب " منافع الأعضاء " ، وفي " حيلة البرء " ، وفي " العلل والأعراض " « 2 » . ويبيّن الرازي تناقض آراء جالينوس في طبيعة النفس الإنسانية ؛ فهو يقرر في كتابه " في منافع الأعضاء " أن " الأبدان آلة للنفس " ،
--> ( 1 ) الرازي : " الشكوك " ، ص 4 ب . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 5 ، ومن الملاحظ أن جابر بن حيان قد نقض رأى جالينوس في الإبصار ، وهو يثبت في كتابه " النخب " أن " الصورة تمتد إلى العين والمرآة حتى تتشكّل فيها وليس هذا أيضا مسلما : لأن جالينوس الطبيب قد رأى خلاف ذلك وأن نورا يخرج من العين إلى الشئ حتى تقبل صورته ثم يعود " . ( ص 81 ) .